شبح يفزع أوروبا : كولومبي ذا المسجدين
...هذه بكل وضوح هي قصة أوروبا مع جاليات المسلمين كما لخصها منذ نصف قرن زعيم تاريخي لم يكن به من حاجة إلى النفاق الذي يسم تصريحات معظم الجيل الحالي من الساسة الأوروبيينشبح يفزع أوروبا:’كولومبي ذات المسجدين’
مالك التريكي19/12/2009
نسجا على منوال الجملة الاستهلالية الشهيرة في ’بيان الحزب الشيوعي’ التي يقول فيها ماركس وإنغلز ’إن شبحا يخيم على أوروبا (ويفزعها) هو شبح الشيوعية’، أصبح يجوز القول اليوم في ضوء نتيجة الاستفتاء السويسري وما تلاها من نتائج الاستطلاعات التي تؤيد منع المآذن، بل وحتى المساجد، في مختلف البلدان الأوروبية ’إن شبحا يفزع أوروبا ويؤرقها هو شبح الإسلام’، أو بالأحرى شبح ’كولومبي ذات المسجدين’ الذي سعى الجنرال شارل ديغول إلى درء خطره عن فرنسا.
فقد عاش ديغول ومات في قرية نالت شهرتها من شهرته، اسمها Colombey- les-Deux-Eglises أو ’كولومبي ذات الكنيستين’. فيها كان معتكفه السياسي طيلة أعوام الجمهورية الرابعة من منتصف الأربعينيات حتى أواخر الخمسينيات، وإليها كان مآبه عقب الاستفتاء الذي أنهى حياته السياسية عام 1969. هذا فضلا عن أنها شهدت المصالحة التاريخية الكبرى بين فرنسا وألمانيا عندما التقى فيها ديغول بالمستشار كونراد أديناور. وقد حدث لديغول أن أطلق على كولومبي ذات الكنيستين هذه، وهي البلدة الأثيرة لديه، اسما افتراضيا (أراد له أن يكون استفزازيا وتخويفيا بالنسبة للفرنسيين) هو Colombey-les-Deux-Mosqu’es أو ’كولومبي ذات المسجدين’.
ولهذا قصة تدور حول العلائق بين فرنسا والإسلام عموما وبين فرنسا والجزائر خصوصا. إذ كانت العلاقة الجزائرية ـ الفرنسية مثقلة بالمواريث المانعة للفهم إلى حد أن مثقفا مثل جيل بيرو، على سبيل المثال لا الحصر، يروي أن جيله لم يكن يعلم شيئا عن حقيقة الواقع الاستعماري في الجزائر، حيث كانت الدعاية الرسمية تضلل الفرنسيين وتوهمهم أنه لم يكن هناك أي فرق بينهم وبين أبناء المستعمرات، ولا سيما أبناء الجزائر التي ضمت وعدّت أرضا فرنسية، سواء من حيث الحقوق أم من حيث مستوى المعيشة. ولهذا فهو يقول إنه صدم لما زار الجزائر أول مرة مطلع الخمسينيات واكتشف بشاعة الاستغلال الاستعماري وشدة بؤس أبناء البلد في مقابل رفاهية المستوطنين المعروفين باسم ’الأقدام السوداء’.
وكان جميع الساسة الفرنسيين في عهد الجمهورية الرابعة، بمن فيهم رجل الدولة الفذ بيار منداس فرانس الذي قاد المفاوضات التي أدت إلى استقلال الهند الصينية (فيتنام حاليا) ثم دشن المفاوضات التي أدت إلى استقلال تونس والمغرب، قد عجزوا عن تجاوز عقدة ’الجزائر الفرنسية’، حيث كانت عقدة يتداخل فيها عمى العاطفة (بعد أجيال من التعلق بالبلاد الجميلة) مع ضيق المصلحة (جشع المستوطنين) وعقم السياسة (انعدام شجاعة القرار). إلا أن ما ميز مؤسس الجمهورية الخامسة هو أنه قد أدرك اتجاه التاريخ فتخلص من هذه العقدة وأقر بحتمية استقلال الجزائر. على أن ديغول لم يفعل ذلك لاعتبارات أخلاقية أو عالمثالثية، بل لأسباب واقعية محض. أما أهم هذه الأسباب فهو أن ديغول لم يتخلص من ’الجزائر الفرنسية’ باعتبارها عقدة استعمارية فحسب، بل إنه أصبح يناهض الفكرة من الأساس لأن ما تعنيه في نهاية المطاف هو القبول بدمج جميع الجزائريين المسلمين في الأمة الفرنسية، أي منحهم الجنسية والاعتراف بهم مواطنين لهم من الحقوق مثل ما للفرنسيين.
وفي ذلك يقول دون مواربة: ’إننا قبل كل شيء شعب أوروبي ذو عنصر أبيض وذو ثقافة إغريقية ولاتينية وديانة نصرانية. فلتجرب دمج (لاحظ أنه لا يقول مزج) الزيت بالخل. ولتخضّ القنينة ما استطعت. أفلا ترى أنهما لا يلبثان أن يفترقا من جديد؟ العرب هم العرب والفرنسيون هم الفرنسيون. هل تظن أن في وسع الجسم الفرنسي أن يستوعب عشرة ملايين من المسلمين (لاحظ أنه لا يقول الجزائريين) الذين ربما يصبحون غدا عشرين مليونا وبعد غد أربعين مليونا؟ لو حققنا الدمج، ولو أصبح جميع الجزائريين من العرب والبربر يسلكون في عداد الفرنسيين، فأنّى لنا أن نمنعهم من القدوم للاستقرار في فرنسا المتروبوليتانية، علما أن مستوى المعيشة فيها أعلى بكثير منه في الجزائر؟ لو حصل ذلك فإن اسم بلدتي لن يعود ’كولومبي ذات الكنيستين’ بل إنه سوف يصير ’كولومبي ذات المسجدين!’’.
هذه بكل وضوح هي قصة أوروبا مع جاليات المسلمين كما لخصها منذ نصف قرن زعيم تاريخي لم يكن به من حاجة إلى النفاق الذي يسم تصريحات معظم الجيل الحالي من الساسة الأوروبيين
فقد عاش ديغول ومات في قرية نالت شهرتها من شهرته، اسمها Colombey- les-Deux-Eglises أو ’كولومبي ذات الكنيستين’. فيها كان معتكفه السياسي طيلة أعوام الجمهورية الرابعة من منتصف الأربعينيات حتى أواخر الخمسينيات، وإليها كان مآبه عقب الاستفتاء الذي أنهى حياته السياسية عام 1969. هذا فضلا عن أنها شهدت المصالحة التاريخية الكبرى بين فرنسا وألمانيا عندما التقى فيها ديغول بالمستشار كونراد أديناور. وقد حدث لديغول أن أطلق على كولومبي ذات الكنيستين هذه، وهي البلدة الأثيرة لديه، اسما افتراضيا (أراد له أن يكون استفزازيا وتخويفيا بالنسبة للفرنسيين) هو Colombey-les-Deux-Mosqu’es أو ’كولومبي ذات المسجدين’.
ولهذا قصة تدور حول العلائق بين فرنسا والإسلام عموما وبين فرنسا والجزائر خصوصا. إذ كانت العلاقة الجزائرية ـ الفرنسية مثقلة بالمواريث المانعة للفهم إلى حد أن مثقفا مثل جيل بيرو، على سبيل المثال لا الحصر، يروي أن جيله لم يكن يعلم شيئا عن حقيقة الواقع الاستعماري في الجزائر، حيث كانت الدعاية الرسمية تضلل الفرنسيين وتوهمهم أنه لم يكن هناك أي فرق بينهم وبين أبناء المستعمرات، ولا سيما أبناء الجزائر التي ضمت وعدّت أرضا فرنسية، سواء من حيث الحقوق أم من حيث مستوى المعيشة. ولهذا فهو يقول إنه صدم لما زار الجزائر أول مرة مطلع الخمسينيات واكتشف بشاعة الاستغلال الاستعماري وشدة بؤس أبناء البلد في مقابل رفاهية المستوطنين المعروفين باسم ’الأقدام السوداء’.
وكان جميع الساسة الفرنسيين في عهد الجمهورية الرابعة، بمن فيهم رجل الدولة الفذ بيار منداس فرانس الذي قاد المفاوضات التي أدت إلى استقلال الهند الصينية (فيتنام حاليا) ثم دشن المفاوضات التي أدت إلى استقلال تونس والمغرب، قد عجزوا عن تجاوز عقدة ’الجزائر الفرنسية’، حيث كانت عقدة يتداخل فيها عمى العاطفة (بعد أجيال من التعلق بالبلاد الجميلة) مع ضيق المصلحة (جشع المستوطنين) وعقم السياسة (انعدام شجاعة القرار). إلا أن ما ميز مؤسس الجمهورية الخامسة هو أنه قد أدرك اتجاه التاريخ فتخلص من هذه العقدة وأقر بحتمية استقلال الجزائر. على أن ديغول لم يفعل ذلك لاعتبارات أخلاقية أو عالمثالثية، بل لأسباب واقعية محض. أما أهم هذه الأسباب فهو أن ديغول لم يتخلص من ’الجزائر الفرنسية’ باعتبارها عقدة استعمارية فحسب، بل إنه أصبح يناهض الفكرة من الأساس لأن ما تعنيه في نهاية المطاف هو القبول بدمج جميع الجزائريين المسلمين في الأمة الفرنسية، أي منحهم الجنسية والاعتراف بهم مواطنين لهم من الحقوق مثل ما للفرنسيين.
وفي ذلك يقول دون مواربة: ’إننا قبل كل شيء شعب أوروبي ذو عنصر أبيض وذو ثقافة إغريقية ولاتينية وديانة نصرانية. فلتجرب دمج (لاحظ أنه لا يقول مزج) الزيت بالخل. ولتخضّ القنينة ما استطعت. أفلا ترى أنهما لا يلبثان أن يفترقا من جديد؟ العرب هم العرب والفرنسيون هم الفرنسيون. هل تظن أن في وسع الجسم الفرنسي أن يستوعب عشرة ملايين من المسلمين (لاحظ أنه لا يقول الجزائريين) الذين ربما يصبحون غدا عشرين مليونا وبعد غد أربعين مليونا؟ لو حققنا الدمج، ولو أصبح جميع الجزائريين من العرب والبربر يسلكون في عداد الفرنسيين، فأنّى لنا أن نمنعهم من القدوم للاستقرار في فرنسا المتروبوليتانية، علما أن مستوى المعيشة فيها أعلى بكثير منه في الجزائر؟ لو حصل ذلك فإن اسم بلدتي لن يعود ’كولومبي ذات الكنيستين’ بل إنه سوف يصير ’كولومبي ذات المسجدين!’’.
هذه بكل وضوح هي قصة أوروبا مع جاليات المسلمين كما لخصها منذ نصف قرن زعيم تاريخي لم يكن به من حاجة إلى النفاق الذي يسم تصريحات معظم الجيل الحالي من الساسة الأوروبيين
القدس العربي.
liqaa
, 19 كانون الأول (ديسمبر) 2009

